ابن ميثم البحراني

416

شرح نهج البلاغة

وقوله : فهم والجنّة كمن رآها . إلى قوله : معذّبون . إشارة إلى أنّ العارف وإن كان في الدنيا بجسده فهو في مشاهدته بعين بصيرته لأحوال الجنّة وسعادتها وأحوال النار وشقاوتها كالَّذين شاهدوا الجنّة بعين حسّهم وتنعّموا فيها ، وكالَّذين شاهدوا النار وعذّبوا فيها . وهى مرتبة عين اليقين . فحسب هذه المرتبة كانت شدّة شوقهم إلى الجنّة وشدّة خوفهم من النار . التاسعة : حزن قلوبهم ، وذلك ثمرة خوف الغالب . العاشرة : كونهم مأموني الشرّ ، وذلك أنّ مبدء الشرور محبّة الدنيا وأباطيلها والعارفون بمعزل عن ذلك . الحادية عشر : نحافة أجسادهم ، ومبدء ذلك كثرة الصيام والسهر وجشوبة المطعم وخشونة الملبس وهجر الملاذّ الدنيويّة . الثانية عشر : خفّة حاجتهم ، وذلك لاقتصارهم من حوائج الدنيا على القدر الضروريّ من ملبس ومأكل ، ولا أخفّ من هذه الحاجة . الثالثة عشر : عفّة أنفسهم ، وملكة العفّة فضيلة القوّة الشهويّة ، وهى الوسط بين رذيلتى خمود الشهوة والفجور . الرابعة عشر : الصبر على المكاره أيّام حياتهم من ترك الملاذّ الدنيويّة ، واحتمال أذى الخلق ، وقد عرفت أنّ الصبر مقاومة النفس الأمّارة بالسوء لئلَّا ينقاد إلى قبائح اللذّات ، وإنّما ذكر قصر مدّة الصبر واستعقابه للراحة الطويلة ترغيبا فيه ، وتلك الراحة بالسعادة في الجنّة كما قال تعالى « وجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيراً » الآية . وقوله : تجارة مربحة . استعار لفظ التجارة لأعمالهم الصالحة وامتثال أوامر اللَّه ، ووجه المشابهة كونهم متعوّضين بمتاع الدنيا وبحركاتهم في العبادة متاع الآخرة ، ورشّح بلفظ الربح لأفضليّة متاع الآخرة وزيادته في النفاسة على ما تركوه ، وظاهر أنّ ذلك بتيسير اللَّه لأسبابه وإعدادهم له بالجواذب الإلهيّة .